المؤتمرات


قد يكون النظام الجماهيري الذي اتى به الكتاب الاخضر كما يدعي القذافي و الذي انكر في احدى اخر خطاباته انه من اتى بهذه النظرية بل الجماهير التي ابتدعتها ، حل نظري مثالي لمشكلة الحكم حول العالم ، لكن مثلها مثل اي نظرية اخرى لم يوجدها إله الكون فهي قد تكون صالحة للتطبيق تحت شروط معينه وبزوال هذه الشروط ترجع الى نظرية تسود الاوراق البيضاء في الكتب .
جاءت نظرية القذافي القائلة بان العالم يشكو من صراعين صراع على السلطة و صراع على الثروة ، فجاء الفصل الاول من الكتاب الاخضر بحل للمشكلة السياسية حول العالم ، وتم تطبيق نظرياته في ليبيا التي كانت كالتالي تم تقسيم ليبيا الى مؤتمرات وكل مؤتمر عبارة عن برلمان مصغر يجتمع فيه النواب ، الفرق بينه وبين اي مجلس برلماني اخر هو ان في المؤتمرات يجتمع كل افراد الشعب فكل شخص هو نائب عن نفسه ومن هنا انتفت عملية نيابة اي فرد عن فرد اخر ، و رئيس البرلمان الذي تم تسميته بامين المؤتمر يقوم بنقل اراء و قرارات اعضاء المؤتمر الى المؤتمر الشعبي الاساسي للشعبية .
نعيد التلخيص برلمانات صغيرة في كل مدينة يتقابل فيها كل افراد الشعب وهم النواب ، يجمع هذه البرلمانات الصغيرة برلمان اكبر قليلا على مستوى المدينة او المحافظة ، ثم الى برلمان الدولة نتجه وهو مؤتمر الشعب العام الذي يجتمع فيه رؤساء البرلمانات الصغيرة و رؤساء برلمانات المحافظات مع الوزراء و رؤساء النقابات وباقي جهات الدولة الرسمية .
اي ان النظام الجماهيري يشبه جدا النظام الفدرالي من حيث ان الدولة ككل تتكون من مجموعة دويلات لكل منها حريتها الشخصية ويكون لها رئيسها ووزرائها وتجمعهم الحكومة الفدرالية في الاعلى هذه الحكومة العليا تسيطر على المشاريع القومية مثل مد الطرق على مستوى الدولة ، ادارة الجيش ، السياسة الخارجية ، اعلان الحرب ، وهكذا ... لكن مع النظام الجماهيري المطبق في ليبيا تم تقسيم الدولة الى دويلات صغيرة و لم تعد هناك حكومة فدرالية لاتخاذ القرارات وادارة شؤون الدولة ككل بل تم الابقاء على وزارات وهيئات تنفذ قرارات فقط ، هذا طبعا من الناحية النظرية .
طبعا هذه التركيبة تسبب مشاكل فمن يدير شؤون الدولة العامة ؟ مثلا من يدير المشاريع القومية؟ من يقرر مد الطرق و بناء المطارات وسياسة الدولة الخارجية؟ ، تم حل هذه المشكلة بان يتخذ هذه القرارت الوزراء و لا يتم تنفيذها الا بعد عرضها في برلمان الدولة اي المؤتمر الشعب العام و تحويلها الى المؤتمرات الشعبية الاساسية لاخذ موافقة النواب اي كل الشعب ،ومن البديهي ان لا يمكن اخذ هذا القرار بالاجماع فلا بد ان يكون هناك من يعارض ومن حق هذا المعارض ان يعبر عن رأيه ومن حق هذا المعارض سواء اكان فرد او جماعة او جهة اعتبارية اذا عرضه هذا القرار الى اي ضرر ان يعبر عن نفسه بالسبل المشروعه سواء الاضراب او التظاهر او في الصحف ويكفل له القانون حق التقدم بشكوى للجهات القضائية ، هذا ما يفرضه التفكير العقلاني ، ولأكن اكثر وضوحا فالنفترض مثلا اتخاذ قرار بالغاء كافة سيارات الــ IVECO في البلاد و استبدالها بالقطارات سواء في الرحلات بين المدن او قطار الانفاق للتنقل داخل المدينة ، الا يعرض مثل هذا القرار جميع سائقي سيارات الاجرة الى البطالة حتى لو تم الموافقة على مثل هذا القرار بنسبة 99% من اجمالي عدد النواب (الشعب) ، طبعا من المفترض ان تقوم نقابة المتضررين بالدفاع عنهم وعن حقوقهم .
ما يحدث في ليبيا خلاف ذلك فقد ظهر علينا القذافي بفلسفة النظام الجماهيري هو حكم الشعب نفسه لنفسه فلا اعتراض على ارادة الشعب فلا تظاهر و لا اضرابات و اي اضراب او تظاهر هو محاولة لسرقة حرية الشعب وامتلاكه لسلطته من قلة طامعه في الانفراد بالسلطة .
طبعا ما افترضته بالاعلى تستطيع النظرية حله ، لكن تبقى مشاكل اخرى لا تستطيع النظرية الجماهيرية حله مثل المواضيع التي تحتاج الى الكتمان مثل ميزانية الجيش ، القرارات الخاصة بالمخابرات ، الامن الداخلي ، الامن الخارجي ، العلاقات السياسية ؛ ايضا بعض الاشياء التي تحتاج الى مختصين مثل السياسات الاقتصادية و السياسة المالية للدولة ، واذا تم اتخاذ هذه القرارات من دون الرجوع الى الشعب فتعتبر انتهاك لقوانين البلاد و يحق للشعب اعلان رفضه لاي قرار من هذه القرارات .
وتبقى مسألة مهمة اخرى من يقود الجيش و الاجهزة الامنية الاخرى ، فمبدأ الديمقراطية و الشورى لا يتمشى مع هيكلية و قوانين الجيوش ، فلا صوت يعلو عن صوت الدكتاتورية ، واذا تم منح كل هذه القوى في يد شخص معين و لم يكن يتبع لسلطة مدنية اقوى منه او توازيه قوة ، فلا اعتقد ان النتيجة ستكون جميلة ، وكما اعترف القذافي نفسه في كتابه الاخضر ان النظام الجماهيري هو الحل النهائي لمشكلة الديمقراطية من الناحية النظرية اما من الناحية الفعلية فالاقوى هو الذي يحكم .