لماذا الاصرار ؟

كل ما يراقب المشهد السياسي الليبي الحالي سواء الداخلي و المتمثل في مطلب الجماهير ، او ما تقوم به الدولة الليبية على صعيد السياسة الخارجية ، يلاحظ ان ما يغلب على هذا المشهد هو محاولة ملاحقة اعضاء النظام السابق  ، فهذه الحكومة تسعى جاهدة عن طريق القنوات الدبلوماسية و القانونية الدولية لاستجلاب بقايا اعضاء النظام وكلنا نشاهد الحرب القانونية من اجل احمد اقصد جمعة قذاف الدم  و المحاولات المستميته لعرضه على العدالة الليبية ووضعه على راس قائمة الاهداف الواجب تحقيقها ، على الاقل هذا ما يصوره الاعلام لنا عبر القنوات المختلفة او الصحف و كم الاشاعات التي ظهرت و ستظهر ، كذلك عن طريق متابعاتي لما يجري في الشارع و على صفحات الانترنت خصوصا الفيسبوك نلاحظ رغبة عارمة جدا بين افراد الشعب في الاطاحة باي شخص اشتغل مع النظام السابق.

و نلاحظ هذا ايضا على افراد المؤتمر الوطني العام فالكل يسعى و يضغط و يطالب اما باستجلاب الازلام الهاربين خارج البلاد او محاكمة المقبوض عليهم او العزل السياسي للمتلونين منهم ، المشكلة من وجهة نظري ليس في المطالبة بهذا لكن المشكلة بوضعه الهدف الاسمى و الهدف الاول للمرحلة الحالية ، و لا ادري لماذا يتم ذلك .

هل لاننا شعب تربى على الثورية فلا يزال الفكر المسيطر على عقلية نسبة محترمة من الشعب الليبي لا يزال يرى ان الوحده العربية ضرورة حتمية ، و ان زعيمة الارهاب العالمي امريكا و جماعة الصهيونية العالمية يسعون الى تدميرنا و مسحنا من الوجود و نهب خيراتنا و تدمير انجازاتنا ، و لا ادري ماهي الخيرات التي يرديونها و لا الانجازات التي نفخر بها ، لهذا نرى في كل شي انجاز و درة من الدرر و كل من يخالفنا هو تهديد لنا حتى لو كان هذا الشخص قد ترك البلاد و هرب الى اقاصي الارض و لا يرد منا شيئا .

ام لعدم قدرة و عجز فكري و عملي لتحقيق اي انجاز اخر فاقتصر طموح من في السلطة على استجلاب بعض الرموز و استغلال كره الناس لكل من عمل مع نظام معمر القذافي ، و لمعرفتهم ان مجرد عمله مع النظام اصبح يعد جريمة في حد ذاتها ، و لهذا لسان حالهم يقول فلنستغل هذه الفرصة فتحقيق نصر من ورق يسكت الشعب و يلهيهم و يعطيهم انطباع بان هذه الحكومة تسعى و تعمل ، قد يقول قائل مدافعا قد حرنا معكم اذا حققنا مطالب الشعب ظهر صارخٌ غاضب و اذا لم نحقق ظهر صوت اخر يصرخ غير راضٍ ، معكم كل حق لانكم ترون حكم البلاد نظرة الانسان العادي لبرنامج ما يطلبه المشاهدون راي الاغلبية هو الذي سيفوز و بهذا يرضى الجميع ، فحين ان حكم الدول يجب ان يتم باتخاذ قرارات لمصلحة الدولة و الصالح العام و ليس مطابقا لرأي الجموع .

فقد رأينا سابقا و خبرناها رأي الجموع ليس دائما صحيحا ، فيمكن ان يزوّر و من الممكن ان يضلل ، فتحت ظروف معينه وبادوات معينة و بشحن اعلامي شعبي جماهيري معين يمكن ان تجعل الجماهير توافق و توقع وثيقة انتحارها ، و هذا ما رايناه مرارا و تكرارا في عهد معمر القذافي و ايضا مع من سبقه من انظمة حكم دكتاتورية مثل هتلر ، موسيليني ، ستالين و غيرهم الكثير ، لهذا وجب على الحاكم ان يعرف ما يختار لا يعني هذا ان يخالف الراي الشعبي لكن بكل سهولة له في مصلحة الدولة و مصلحة الشعب مقياس السلامة و الشعب هنا ليس الشعب الحالي فقط بل حتى الشعب المستقبلي لهذه الدولة .

للتغيير طريقتان طريقة سلبية و طريقة ايجابية و لا اقصد هنا طريقة تنفع و اخرى تضر او طريقة سيئة و الاخرى جيدة ، بل اقصد ان للتغيير طريقتان طريقة تزيل الامر السيئ و اسميتها السلبية فهي تزيل و هي ايضا تغيير و طريقة اخرى ايجابية و هي طريقة بناء الشيء الجيد و هي كذلك تغيير ،  و كل دولة و الطريقة التي تحتاجها فبعض الدول تعاني من مشاكل الفساد فقط و لكنها دولة مبنية ذات مؤسسات عريقة ولكن راس الدولة فاسد او اخطأ و بهذا يكتفي الشعب بطريقة التغيير السلبي ، و بعض الدول تعاني من عدم وجود اي شي على ارضها ولكن لها حكومة واعية جيدة  ولهذا فهي تستخدم التغيير الايجابي فتبني و تؤسس و تنهض ، اما في حالتنا الليبية فكنا نعاني من الامرَين معا نظام فاسد مفسد ، و انعدام مقومات الدولة من مؤسسات وخلافة فلهذا وجب استخدام الطريقتين في التغيير .

و هذا ما تم فعليا فتم ازالة راس الفساد وبه انهار النظام السابق و لم يعد للفساد كيان و منظومة بل اصبح نقاط متفرقة فردية ، ومن هنا وجب مقاومة ظاهرة الفساد في حد ذاتها لا مقاومة الافراد الفاسدين ، و لنرجع قليلا و نلاحظ ما حدث في ليبيا خلال السنتين الماضيتين ، قبضنا على كل من سيف الاسلام ابن القذافي و رئيس وزراءه البغدادي المحمودي و يده الفاعله عبد الله السنوسي ورئيس مخابراته و وزير الخارجية وغيرهم الكثيرين ، ماذا كسبنا منهم فعليا و انا اقصد انا كمواطن ليبي ماذا كسبت باحتجزاهم ماذا تغير في حياتي فعليا و اتمنى الا اسمع احدهم يستنكر يصيح قائلا أهذه دعوة لاعطائهم حريتهم ؟!! ، بالطريقة المعتادة في الحكم  اذا لم تكن يمينا فانت يسارا  و اذا لم تكن معي فانت ضدي ، لا ليست دعوة لكسر العرف و المنطق و الدين و العدل بل دعوة لعدم وضع هذا الموضوع في الواجهة و على راس الاولويات ، فكما قال نابليون بونابرت "الجيوش تمشي على بطونها" كذك الشعوب تمشي على بطونها وراء لقمة عيشها و راء غرائزها و احتياجتها .

قانون العزل السياسي و استجلاب المجرمين و المتهمين من خارج الحدود خطوة مطلوبة لكنها ليست هدف في حد ذاتها ، فهي لا تغير من واقعنا كمواطن ليبي الا اقل القليل فتظل مشاكلنا مستمرة و لم نجد لها حل و هي ما اطلب المؤتمر الوطني و الحكومة التنفيذية ان تسارع بحلها ، اولها و اهمها ما تم اختيار المؤتمر الوطني من اجله الدستور وهو القانون الاساسي الذي تبنى حوله الدولة بدونه سنظل في مرحلة اللادولة و اللا كيان   ، ايضا موضوع الامن و تشكيل قوة امنية و فرض الامن و حل المليشيات و تشكيل القضاء ، مشاكل البطالة و مستوى المعيشة للمواطن الليبي ، العمالة الاجنبية و تكدسها في البلاد ، مشكلة تكدس السكان و مشكلة مساكن ، مشكلة المشاريع المتوقفة و البنية التحتية المنهارة ، مشكلة استيرادنا لكل شيء و على قول جمال عبد الناصر من الابرة الى الصاروخ وغيرها الكثير و الكثير من المشاكل ، اعرف ان الكثير منها تحتاج الى سنوات من العمل و لكن رحلة الالف الميل تبدا بخطوة ، و لم ارى هذه الخطوة في الكثير من الاشياء ، و على راي احد الشباب يتسائل عن دور وزير المواصلات في الحكومة الحالية و الحكومة السابقة اذا لم يتم حل مشكلة مواقف السيارات و محطات الباصات "الايفكو" .

الغريب و العجيب هناك اصرار على استجلاب المجرمين الغير مدانين و قانونا يجب تسميتهم متهمين وهذا من نص عليه الاعلان الدستوري المؤقت ، و رغم ان البلاد تعج بالثوار و الاجهزة الامنية فلله الحمد و المنه لم يقف مصنع تفريخ المجرمين في ليبيا و العملية تتوسع ، كنا في السباق نقول انهم المجرمين الذين تم اطلاق سراحهم من قبل النظام المنهار و مرت سنتان و لم نسمع عن حملة للقبض عليهم ، و الادهى من ذلك نسمع كل يوم تقريبا عن مقتل مجموعة من الاشخاص امّا في اشتباك او في مداهمة او في حالة سكر ، و لا نسمع عن احد تم اعتقالة و المصيبة نسمع عن ارتال تتحرك تحتل مبنى وزارة او تسطو على مركز شرطة كما حدث في ابوسليم الاسبوع الماضي او تقتحم مستشفى و تعتقل او تقتل مريض و تقيد في الاغلب ضد مجهول ، عامان مرّا و لم نسمع عن عودة اموالنا في الخارج و لم نسمع عن انتهاء محاكمة زلم من ازلام النظام السابق ، فدعونا منهم و لنتحرك بما لدينا الان و لا نجعل الرأي العام مغيب في امال لا تغنيه و لا تسمنه الكل مترقب لعودة الازلام و كأن لديهم موقع مغارة علي بابا التي ستجعل المواطن منا مخْزَن ذهب متحرك .

و الغريب عندما ترى ان هذا التفكير هو السائد على النخبة الحاكمة صفوة الصفوة ، قشدة المجتمع الليبي اعضاء المؤتمر الوطني الذين يناقشون الحكومة عن اشياء لا ادري ما اقول عنها الا انها الف باء السياسة ، احدهم يتهم وزير الداخلية بانه زلم من الازلام و الآخر يلوم و يطالب رئيس الوزراء باعتذار رسمي لانه قد وصفية زوجة القذافي بالسيدة وموسى كوسا بالسيد ، و بعين الخيال ارى المتنبي يتقلب في قبره يريد ان يغير بيت شعره الى  :
اغاية الحُكم عزل ساستكم ..... يا امة ضحكت من جهلها الامم

و الخلاصة وما ارغب في قوله ان من ضمن ما نعاني منه في هذه المرحلة هو ازمة اولويات ، يجب ان تحدد اولوياتنا في كلمات بسيطة و واضحة من قبل الجهات التشريعية ، و تقوم الجهات التنفيذية بتحليل الهدف الاسمى و تجزئته الى ما يسمى بالمهمات الميكروسكوبية وعلى اساسها توضع الخطط المرحلية ويبدا التنفيذ ، و بدونها سنظل في عصر الجماهيرية حيث الكل يحكم و حيث لا خطة واضحة و كل ما هنالك حلول من نوع الفزعة يا رجال .

تم نشره على موقع صحيفة الكاف بتاريخ 15 ابريل 2013 .