عن التدوين

منذ يومين أو يزيد يتوقف على التاريخ الذي سأنشر فيه هذه التدوينه، نشر أحمد البخاري المدون والناشط الثقافي وليس السياسي، تغريده على تويتر حول التدوين:
أهم المواضيع التي يجب طرحها هي "هل الكتابة على الفيسبوك يعتبر تدويناً ؟" علينا مواجهة السبب الأول للعزوف عن التدوين بشجاعة ! #أنا_أدون

أثارت هذه التدوينه بعض التساؤلات في ذهني عن التدوين، وأنواعه وهل يجب على المدون أن يمتلك مدونة؟، ألا تعتبر الكتابة على الفيسبوك أو أي موقع تواصل اجتماعي آخر تدوين؟!، ماذا لو اكتفى المدون بالكتابة على ورق وأحتفظ به في درج مكتبه لو كان يمتلك واحدًا!!

وتداعت الأفكار لماذا التدوين؟، وماهو تعريف التدوين؟، وهل له قواعد وأماكن وطرق خاصة به؟، ولماذا أعتبره أعلى مرتبة من الكتابة في المنتديات أو مواقع التواصل الاجتماعي؟، الخلاصة تساؤلات رأيت إنها تحتاج لجلسة وتفرغ للإجابة عنها، وأيضا لإعادة حساب بعض النقاط مع نفسي، وإعادة توجيه دفة سفينة عقلي في الاتجاهات التي أعتقد إنها صحيحة.

كل ما سأتكلم عنه في الأسطر القادمة ماهو إلا رأي شخصي وفلسفة خاصة بي، ليست مبنية على دراسة معمقة أو أراء غيري، فلهذا يمكنك اعتبار ما سيأتي هو الخطأ المطلق الذي لم يعرف له الصواب طريق. 

ما هو التدوين؟


كيف يمكنني أن أعَرِّف التدوين؟ أحينًا كثيرة تكون أفضل الطرق لفهم بعض الأشياء إعادتها لأصلها وتبسيطها، التدوين في وجهة نظري ماهو إلا عملية كتابة، نشاط مارسه الإنسان منذ أن سكن الكهوف، وهو استمرار لعادة إنسانية قديمة جاءت باختراع الكتابة وبدأت قبلها.

فكرته قائمة على كتابة الآراء ونقلها للآخرين، تلخيص الخبرات وتعليمها للغير، أو تسجيل لأحداث ووقائع لأرشفتها، أو حالة تعبير إنشائية ،شعرية ،تصويرية … الخ، لو حللناها بطريقة هندسية فيمكن القول الإنسان هو لب المنظومة، تتعرض هذه المنظومة لمؤثرات خارجية ومدخلات كالأخبار والأحداث المواكبة لحياة الإنسان على جميع المستويات الوظيفية، الاجتماعية … الخ، ويخرج منها بخبرات ومهارات ومشاعر وأفكار جديدة، وهذا لب التدوين، الكتابة عن مثل هذه الأمور، أمّا طريقة الكتابة فتتوقف على خيارات المدون نفسه كما أشرت سابقا فالبعض يفضل أن يكتب القصص، وآخرين يفضلون الكتابة التقريرية، والبعض الشعر، وهكذا، هذا هو تعريفي البسيط للتدوين.

لماذا أدون؟


على الصعيد الشخصي، تعددت الأسباب أولا للاستفادة الشخصية، فهي هواية احبها، اقصد الكتابة بشكل عام تشعرني بالسعادة وفرح الإنجاز عند الانتهاء مما اكتب، وأثناء الكتابة أشعر بالتحدي، احب عملية العصف الذهني التي أمر بها مضطرا أثناء الكتابة، محاولة البحث عن المفردات، إيجاز التعبير بتبديل الجمل بكلمات.

مقتنع بفكرة أن اللغة عضلة يقويها التمرين، ومقتنع بأن ما يبدأ صغيرا سيكبر مع الوقت والتدريب، ولم لا احلم بان يكون لي يوم من الأيام كتاب عن موضوع ما، عشت سنوات وغرفتي لا تخلوا من الكتب التي تحمل أسماء مؤلفين عدة، لماذا لا يكون لي كتاب يحمل اسمي أيضًا.

أؤمن بالتدرج وسياسة المراحل، هل يمكن لشخص لم يكتب في حياته 20 صفحة متوالية أن يؤلف كتاب من 200 صفحة، اعتقد أن التدرج هو الحل لهذا، ابدأ صغيرا وستكبر مع الزمن.

كذلك أؤمن بان التعليم يمر بثلاث مراحل تلقي العلم، فهم العلم، ممارسة العلم، وكذلك هي الأفكار، اغلب أفكاري تكونت وأنا في خضم نقاش ما، فلماذا لا أمارس هذا النشاط مع نفسي عن طريق التدوين، ادخل في نقاشات مع نفسي حول أراء وأفكار معينه أحاول في هذا النقاش استحضار ما قرأته من أفكار لغيري واربطها مع بعضها وأزنها لتكوين رأي معين.

أحيانا كثيرة اقرأ كتب وألخصها، فقط لأنني مقتنع بان عملية تثبيت المعلومة، وتحويلها من بيانات متفرقة غير ذات قيمة إلى معلومة ومنها إلى فكرة أو وجهة نظر، تحتاج إلى العملية الثلاثية قراءة، فهم، كتابة، أي بمفردات أخرى إدخال شيء للدماغ، تشغيل الدماغ لتحليل هذه المدخلات، استخراج ناتج عملية التحليل على الورق، هكذا افهم الكلمة التي يرددها الجميع اقرأ لنفسك، واكتب لنفسك.

 

عن ماذا أدون؟


كان مفهومي للتدوين أول عهدي به، يقتصر على جمع ما يعجبني من الإنترنت ووضعه في مكان أسميته خربشات وسام وهي مدونتي هذه، ومع الوقت أدركت أن هذا ليس تدوين بل عملية إعادة نشر أو جمع، سمها ما شئت، ثم انتقلت للكتابة ومحاولة تأليف شيء بنفسي، وكانت العملية بطيئة صراحةً لأنني كنت مجرد مقلد لغيري، لا اكتب لهدف، ولم تتبلور بعد فكرة التدوين في ذهني.

أما قناعتي الشخصية عما استطيع أن اكتب عنه، فأجيب بأنه يمكنني أن اكتب على كل شي، حياتي، نشاطاتي، أرائي السياسة، أحداث البلاد، ملخصات لما أشاهد من مرئيات صور ثابته أو فيديوهات، خواطر، ملخصات لما اقرأ، خبرات عملية من مجال عملي … وغيرها الكثير.

وتعلمت انه يجب علي أن أحافظ على مبدأ "أن أدون لنفسي وعن خبراتي"، فمدونتي انعكاس لنفسي لا لرغبات الجماهير، ليس هناك فائدة فعلية من نفاق الناس واسماعهم ما يريدون، كذلك تقديم الإضافة وان كانت "بشخصنة" المعلومة، فلن يستفيد احد من قراءة إن الشمس تشرق من الشرق، وأنها تغرب من الغرب، بل يجب علي إضفاء اللمسة الشخصية على الموضوع، فأضيف أن الشمس يوميا تشرق على بيتنا من ناحية نافذة غرفتي وتغرب عن مدخل المنزل، هذا إذا كانت مدونتي شخصية أما إذا كانت ذات طابع علمي، فالعلم لا يحتمل أساليب الأدب، من نوع العمل جار على قدم وساق، بل العلم يريد الحقيقة مجردة، وبكامل الصراحة لا استطيع ولا أجرؤ بأي حال من الأحوال على تقديم مفاهيم في مدونتي على أنها حقيقة لا تقبل النقاش، ففكري مازال قاصرا، جامع علم ومعرفة ولست بعالم.
 

هل مكان الكتابة يؤثر على تعريف التدوين؟


الكتابة والتدوين كلمتان مترادفتان، فقط افرق بينهما بأنّ الكتابة هي الأصل فهي أعم وأشمل ولا يقيدها مكان أو زمان معين أو طريقة أو أسلوب، أما التدوين فقد ارتبط في نفسي بفكرة انه كتابة ونشر؛ أحتاج هنا إلى عالم من علماء اللغة ليصنف لنا الكلمتين من حيث المعنى الأصيل في معاجم اللغة.

فقد اكتب أفكار في مفكرتي الخاصة أو على حاسوبي واحتفظ بها لنفسي، وهذا النشاط هو كتابة، فقط خسرت ميزة المشاركة مع الغير فلم تصبح تدوين، ويقودنا هذا إلى سؤال هل يجب نشر كل شيء على العلن؟

طبعا الإجابة لا، والأسباب عديدة، فلا أحد يهتم بقائمة مشترياتي اليومية مثلا ما لم أكن نابليون بونابرت، أو هملر بذاته، أيضا من الحمق التطرف في الأفعال مهما كان هذا الفعل أو الفكر، فالكون خلق بميزان، فلا استطيع مثلا نشر كل أفكاري الدينية ولا كل أفكاري السياسية، فلست من محبي الإنتحار إلى هذه الدرجة، خصوصا في مجتمع قليلا جدا ونادرا ما يتغاضى عن الاختلاف.

العودة الآن إلى سياق السؤال هل يعتبر الناشر في الفيسبوك أو تويتر أو غيره مدون أم لا؟

هو نوع من أنواع التدوين ولا يمكن إنكار على من لا يملك مدونه انه ليس بمدون، فلكل طريقة جمهورها وهي نوع من أنواع النشر ولو اقتصر أحيانا على عدد محدود من الناس.

مشكلتي الوحيدة مع مواقع التواصل الاجتماعية أن محركات البحث لم تستطع إلى الآن أن تغطيها بشكل مقبول، أيضا عدم اعتمادية توفر المعلومة، نتيجة لطبيعة مواقع التواصل الاجتماعي، في كونها تركز على الحديث لا على القديم، ولا تقدم وسيلة جيدة للأرشفة، فلا يمكنني الاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعية كأرشيف يمكنني من العودة إليه في أي لحظة للحصول على موضوع أو صورة أريدها، كذلك طبيعة مستخدمي وزوار مواقع التواصل الاجتماع، لم تُعرف عنهم الرغبة في قراءة المواضيع الجادة، أو الاهتمام بما يطول من مقالات، وسمعة مواقع التواصل الاجتماعي السيئة من حيث المصداقية.

وهي نقاط تفوقت فيها المدونات، كذلك بساطة فكرة المدونة، فهي صفحة على الإنترنت يملكها شخص بذاته يقدم فيها محتوى ذو طابع معين، فإن تابعتها فإنني أتابع الشخص بعينه أراءه وأفكاره ما يحب وما يكره، التي غالبا ما تكون هذه الآراء من إنتاجه وكتاباته لا من منشورات غيره.

فيمكن القول بمختصر الكلمات أن المدونة هي مذكرة شخصية لشخص ما، لكنها تُنشر على الملأ؛ ولكن هذا يقودني إلى ذكر ليس كل المدونات ذات طابع شخصي فمنها ذات الطابع الإخباري، أو متعددة الكتاب، ويبقى التنوع إضافة وميزة تحسب للمدونات لا عيب فيها.

هل الكتابة من أرقى المهن؟


شخصيا لا اعتقد بوجود مهنة راقية وأخرى وضيعة، ولكن التصنيف بني على انعكاس معايير المجتمع على الوظائف، فكل مجتمع وله وجهة نظره أحيانا يكون مقياس المجتمع المال المكتسب من الوظيفة، أو السلطة الممنوحة مع الوظيفة، أو راحة الوظيفة، أو المظهر العام للوظيفة "البريستيج"، أو قيمة العمل في ذاته.

لكن أرى أن الإنسان عبارة عن روح وعقل وجسد، احب شخصية أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب في الرقي الروحي، واعشق مصطفى محمود في فلسفته، ويشدني مظهر ارنولد شوارزنيقرز (إذا صح كتابة الاسم بالعربية)، ما اقصد هنا أن الثلاث العناصر المكونة للإنسان عندما تقترب إلى حدود الكمال تلهمني وتعجبني، فلا استطيع نكران فضل إحداهم على الأخرى.

ولكن اعتقد أن القراءة والكتابة عمليتان لا تفترقان، تلهم العقل وتزكي النفس (في الغالب) وهما تسعيان إلى حلم الإنسان القديم بالوصول على الحكمة، ولهذا السبب أُكِنُّ لهما كل احترام وإجلال.

لماذا لا أمارس التدوين بشكل ثابت؟


في الواقع لعدة أسباب رغم كل ما قلته سابقا عن حبي للتدوين والكتابة بشكل عام، لكني أظل بشر، لي ما لي وعلي ما علي، عذري الأول الكسل، ترتاحي نفسي لأداء مهام أسهل من القراءة أو الكتابة، كمشاهدة مباراة كرة قدم، أو فيلم، أو أي عمل آخر.

أيضا الشعور بالإحباط، فالشعور الذي يتغلب علي أحيانًا لمن اكتب؟ وأنسى السؤال الأهم لماذا اكتب؟، فأتقعص عن القيام بذلك، خصوصا بان التدوين نشاط تطوعي واختياري الشخصي لا يحاسبني عليه احد.

ونتيجة عدة أسباب أخرى أدخل في الحلقة المفرغة وهي عدم التدوين لفترة مما يخرج هذه العادة من نشاطاتي اليومية، وأتعود على عدم القيام بها، وعندها أحتاج إلى فترة زمنية تطول أو تقصر حسب المزاج العام وظروفي لاكتساب هذه العادة من جديد.

عند هذه النقطة سأقفل الموضوع اليوم واكتفي بهذا القدر فمراجعة كل ما كتبت يحتاج مني لجهد، وصفاء ذهني، خصوصا مع كل الفلسفة والهلوسات التي كتبتها فوق، وحتى تدوينه أخرى استودعكم الله.