التقليد الأعمى

كثيرا ما قرات عن جمال الموناليزا وإبداع دافينشي في الرسم وغموض المرأة المرسومة وسر ابتسامتها الأكثر غموضا من شخصيتها، الخلاصة الكثير من الكلام عن سر اللوحة الذي أحاطها بالكثير من الجاذبية، وأعطى لمتحف اللوفر الفرنسي هالة من القداسة الفنية فلسان حال الناس انه ذاك المتحف الذي يحتضن بين جدرانه لوحة دافنشي الأشهر الجيوكاندا.

لن اكذب وأقول إنني لم انجرف مع التيار سنوات وسنوات، فقد سمحت لنفسي بذلك بغير قصد، تبنيت بكل غباء رأي ليس رأيي، بل حتى لم اجهد دماغي لتكوين رأي شخصي حول الموضوع، فكان رأيي من رأي الأغلبية بأسلوب هكذا رأينا أباءنا وأجدادنا فاعلين.

منذ يومين قابلتني صورة ضخمة على احد المواقع للموناليزا، تأملتها في لحظة صفاء، لم أفهم لماذا أخذت كل هذه الشهرة هل استمدتها من شهرة راسمها "دافيشني"، لا ادري تخيلتها شخصية مغرورة جدا بنظرتها الجانبية المتعالية بليدة الشخصية باردة الطباع، سنوات و السيد ليناردو يتودد لها، يرسمها ويتفنن في مدح جمالها الفتّان، وهي لا تعطه اكثر من تلك الابتسامة السمجة الهلامية، فهي كليلى لم تنهر قيس فينتحر كمدًا أو يخرس للأبد صدمةً وحزنًا، ولم توافقه الهوى فيتزوجها أو يعيشان كم ليلة سعيدة.

هو التقليد الأعمى لرأي مسبق الإعداد والتأثر بالرأي العام، قد يكون من منطق أن الجموع لا تخطئ، أو من مبدأ تفضيل السلامة، فالاعتراض على رأيٍ عام يعني اتهامي بالهرطقة أو معادات الكل، أو قد تكون من باب الغباء المطلق بعدم التفكير والثقة العمياء في المتحدث والمنطقية اللحظية للحديث بسلاسة القول وإحكام اسلوب عرض الحجة لا منطقيتها.

يتكرر مثل هذا الفعل مرارًا في حياتنا مثلا لو سألت احدهم عن رأيه في حاسوب من نوع سوني، وذلك لرغبتك في شراء جهاز من تلك النوعية، بكل تأكيد ستجد شخص من نوع "بتاع كله" الذي يقول  لك "لا لا ردبالك تاخد سوني ما يشكروش فيه!!"، لازم طبعا يكون علمه منقول وليس رأي شخصي مبني على تجربة شخصية، منقول عن من؟ عن الجموع المجهولة الذين سيشار لهم غالبا بضمير مستتر تقديره "هم".

لو  سألت الشخص "بتاع كله" عن السبب الذي كوّن الرأي العام المتوارث، غالبا لن تحصل على إجابة منطقية، و لا أسباب تبني عليها رأي وفكرة، ستكون الإجابة من نوع "يركبه فيروسات"، "منظره شين"، "يفسد فيسع" ... وغيرها من الأفكار الغريبة، وقس على ما سبق إذا سألت عن أي شيء من السيارات وأنواع النقالات إلى أنواع الإسمنت و"مايولكة الحمامات".

بعض ألآراء السياسة المتأصلة في قلوب وعقول أصحاب توجه سياسي معين كقوالب جاهزة قابلة للاستخدام في أي لحظة، ويتم التعامل معها بطريقة الحقائق الكونية الثابتة مثل فساد الإخوان، جمال زمن المملكة الليبية، شيطنة معمر القذافي، علمانية تحالف القوى الوطنية ... الخ، إذا سألت على ماذا بنيت هذه الفرضيات فستكون الإجابة عائمة ليست ذات شكل واضح وأدلة دامغة، فغالبا يتم الخلط بين فعل الأفراد وفكر المجموعة، وبين تصرفات البعض وصفة المجموعة، ويتم تعميم الجزء على الكل، ولا يتم النظر إلا للسلبيات لا الإيجابيات، والسيئة تذهب الحسنة.

ونتيجة مثل هذه الردود وسياسة الإعلام السياسي لكل طرف سياسي أكاد اجزم بان اغلب منتسبي التيارات السياسية في البلاد وداعميهم، لا ينتمون لها حبًا في فكرها أو هدفها، بل كرها في الطرف الآخر.

يظهر هذا النوع من الأفكار أيضا في مسألة حب زمن المملكة الليبية واعتبارها جنة الله في الأرض، كنوع من أنواع الحنين للماضي و الهروب من الحاضر السيئ، وهو فكر أصولي على مبدأ القديم افضل ولن يكون بالإمكان افضل مما كان، بلسان حال يقول إذا اردنا الخير لابد لنا من العودة للقديم، وان كل أمر مستجد سيء.

أيضًا القناعة السائدة عند الليبيين بان ليبيا ارض الخيرات الطبيعة التي لا تنضب ففي ترابها العجب العجاب، اكبر احتياطي نفطي، ثالث اكبر احتياطي عالمي للنفط الصخري، واكبر مكامن للغاز، مصدر لا ينضب لليورانيوم، وجبال من الذهب، ونهر من المياه العذبة تجري اسفل الكفرة، وكلها بطبيعة الحال تنسب لدراسات عن مراكز أبحاث أجنبية لو بحثت في اغلبها عما قيل لن تجده.

كل هذه المعتقدات تعتبر منجمًا جيدًا لنظرية المؤامرة فهي حقائق وعلوم مبنية على الوهم، فيمكن تأويلها وربطها بأي حدث بكامل السهولة وبدون أي مشاكل، فمن يصدق أنّ هناك "دبانه في ستوب الداو" يمكن أنّ يصدق "نزول طبق طائر في العجيلات".

هناك 7 تعليقات :

  1. بالتوفيق. فعلا نحن نقلد بدون اي تفكير. السؤال هو كيف نتخلص من هذه العادة في مجتمعنا؟ الطريقة المثالية لتوعية الناس

    ردحذف
    الردود
    1. لا فكرة واضحة عندي عن هذا الامر، لكن اعتقد انه بالتكرار اعادة الحديث باشكال مختلفة ومن اشخاص مختلفين، سيتغير البعض و البعض الاخر لا بطبيعة الحال.

      لكن اعتقد ان "للزنان" القدرة على ذلك وانجاح العملية، ايضا اعتقد انك كاتب مقالة جميلة جدا عن Why, How and What تستحق ان تؤخذ اسلوب ومنهج "للحديث و الاقناع" http://wakeupbenghazi.com/2014/12/13/how-we-make-libyans-take-action-toward-the-change/

      حذف
  2. كلامك يمسح على القلب و بالذات اللى يتصور في ماضي الليبين ايام المملكة بانها كانت جنة و تو قاعدين ينادوا بعودة المملكة و اعادة الامير و انه هو الشخصية الوحيدة التى ممكن يجتمع حولها الليبين
    و ناسين الشر و الفقر الذي كان فيه الناس حتى اوائل السبعينات و بعد و ناسين انه الملك سلم في الحكم بدون اي مقاومة
    او انه الحركة السنوسية هيا الوحيدة التى لها الفضل في استقلال البلاد و غيرها من الاحداث
    و كيف يقومون بشيطنة القدافي و نسبه لليهود في حين افعاله ليست غريبه على باقي الليبين او كل من ملك السلطة منهم
    فما فعله القدافي اصبحنا نشاهده كل يوم
    و البلاد يحدث فيها اغرب و ابشع الافعال الشنيعة

    ردحذف
    الردود
    1. جميل انه قد نال رضاك
      حول المملكة وزمنها، قد تكون اكثر استقرارا لليبين من عدة مراحل اخرى وكانت فيها نوع من التنمية و الرضا لليبين وبداية تكوين دولة مستقلة ذات اجهزة ومؤسسات ومعالم في ذلك الزمان، فعلا كانت حالة اغلب الليبين معدمة لا يلام عليه كثيرا نظام الحكم فالدولة فعلا كانت فقيرة فقط يلام على الترف و الفرق الشاسع بين معيشة الملك والحاشية ومن على شاكلتهم وباقي افراد الشعب فالطبقية مدمرة كانت.

      اعتراضي الشخصي على عودة الملكية للبلاد هو لو افترضنا ان ثورة 17 فبراير اتت بتحرير جديد للبلاد ففعليا لم يكن للسنوسيين هذه المرة اي فضل، ايضا نقطة الشرعية الدستورية تمنحهم اللقب، لا اعتقد ان بعد ثورتين يجوز الحديث عن شرعية دستورية لدستور 63 واغلب الليبين لم يحضروا كتابة الدستور ولم يمثلهم ولا حتى الامير ولي العهد حضره.

      لو كان اعتراض الشعب على حكم من لم يعش وسط معاناة الشعب وجاء من وراء البحار للبلاد، فالاحق بالاعتراض عليه هو الامير و النظام الملكي فهو لم يعش في ليبيا وحتى لو عاش فقد راها من خلف جدران القصور ومن داخل صالونات الملوك.

      ايضا لا اعتقد ان امراء الحرب واصحاب السلطة الحاليين سيسلمون مقاليد الامور لامير لا قوى له في ليبيا و لا جذور و لا سلطات الا اقل القليل، بالاضافة اعتقد انك ستفتح جبهة اخرى بين السنوسيين ذوي الطابع الديني الصوفي، وكل من السلفيين الدعويين والسلفية الجهادية.

      حبيت نوضح رايي في نقطة المملكة فقط، و الباقي اتفق فيه معك بدون اي اضافات.

      حذف
  3. من المرات شبه النادرة اللي تعجبني فيها تدوينة لك "بشدة"!

    ردحذف
    الردود
    1. هذا من حسن حظي، وربي يدومها علي نعمة :)، شهادة اعتز بها يا وسام

      حذف
  4. ممتازة سيد وسام، بإنتظار جديدك

    ردحذف

بسم الله الرحمن الرحيم ( مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )