كل شيءٍ يبدو جميلًا من بعيد

صورة لليبيا ملتقطه عبر كوّة المحطة الفضائية الدولية، لا تظهر الا اللون البني الشاحب لون الرمل لا تضاريس لا معالم، ارض ملونة بدرجات لون الرمال حتى جبالها صحراوية اللون، لا غطاء نباتي لا مسطحات مائية لا الوان اخرى في الصورة، الا الشريط الساحلي والبحر المتوسط وبعض السحب الخفيفة جدا.

ورغم هذا لازلت اسمع واقرأ جُمَلًا تحمل معنى واحد تقريبا ليبيا جميلة، وهو امر مستغرب بالنسبة لي فلا اجد في الصحراء شيء جميل بل تمثل العطش والحر والتعب، اتعايش معها كنوع من التغيير لكن لا اقبلها كأسلوب حياة، ولا اعتقد انها الاسلوب الامثل للحياة، اتفهم حب الناس لما تعنيه من قسوة وجلد صبر بفخرون به، اتفهم هدوئها صمتها غموضها قسوتها، لكن هذا كله لا يعني انها بيئة جميلة، حتى الجنه وهي قمة ما يتمناه المرء المسلم، فلا توصف بكثبان الذهب ورياح تعصف حاملة ذرات الألماس وسيول من الخمر والعسل، هل اختلط على الناس حبهم لذكرياتهم وعلاقاتهم واقاربهم واصدقائهم في هذه  الارض بحب مظهر جغرافي معين.

بعد المسافة تخفي التفاصيل، وفي التفاصيل مكمن الشياطين كما يقال، فهذا وجه تلك الممثلة من بعيد ناعم جميل رائع وبرّاق، نضر مفعم بالحيوية والشباب، اقترب منه وركز وشاهد وتمعن ستظهر التجعدات والحبوب وكل عيوب الجلد، حتى انّنا لبعد المسافة شبهنا الجمال بالقمر وفي الواقع لم نجانب الصواب فمن بعيد القمر ملهم، برّاق، ساطع، وعن قرب فهو الاخاديد والفوهات وعدم الانتظام واللون الرمادي الشاحب كلون الموتى.

رأي الناس من بعيد يختلف عن رأيهم من قرب فخلال السنوات الماضية سمعت نفس الحديث يتكرر كثيرًا، عن رأي الناس في ذلك الحاكم فأهل البلد يكرهونه كره النار للماء، في حين بعض من هم خارج نطاق حكم هذا النظام او الشخصية يرون فيه البطل القائد والزعيم، واحيانا الشهيد.

كذلك في نطاق العمل ترى شركة معينه من الخارج فيبهرك نظامها ونجاحها وادارتها واذا عشت كموظف داخلها ستضح لك كل عيوبها، ويبدوا اننا كبشر نهتم بالعيوب اكثر من اهتمامنا بالايجابيات والامثلة كثير اشهرها مثال الورقة البيضاء والنقطة السوداء الوحيده عليها، واسأل من شئت (ماذا ترى؟) في معظم الاحيان الاجابة (نقطة سوداء)، فاين ذهب كل ذلك البياض؟

حتى الماضي عندما يبتعد يصبح جميلا فلا نتذكر كل التعاسة اللي قضيناه في زمن او مكان معين لتحقيق شيء ما، تضيع التفاصيل بعد ارشفتها تحب بند النسيان في ثنايا المخ، والحديث عن الماضي وتقييمه نسبي فضع المتحدث تحت ظروف صعبة واجعله يتكلم عن الماضي فستسمع اجمل عبارات الهيام والضياع في جمال ذكريات الماضي، اما لو جعلته مرفه فغالبا سيذكر ذكرياته بالخير اما الظروف التي حدثت فيها الذكريات فبالشّر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بسم الله الرحمن الرحيم ( مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )