أول يوم رمضاني

كل عام و الجميع بألف خير فقد مَنَّ الله علينا بنعمة حضور هذا الشهر من جديد.

ولله الحمد لم يخب ظني في شعبي العزيز فكما عاد رمضان عادت معه بعض المظاهر والكليشيهات من جديد، فبعد الزحام الخانق في شوارع وأزقة مدينة طرابلس في آخر ايام شهر شعبان، أصبحتُ اليوم  في مدينة للأشباح، لا حراك لا زحام الا بعض السيارات التي تمر مسرعة وكأن تنين يلاحقها.

لم ألتقي اليوم مع النموذج المشهور للمواطن المتعصب نتيجة نقص أحدى هرمونات ( ببتديد القهوفان أو أمين السبسين)، ففي الصباح الرمضاني مع موعد ذهاب الموظف لعمله، الموظف الذي يشعر بأنه مظلوم لعملِه في مكان يجبره على النهوض باكرًا، في حين أن ابن عمه لا يذهب لعمله منذ ثلاثة اشهر، في هذا الصباح تتحول الطرق الى حلبة سباق مع الكثير من السباب والشتم يذكرني بفيلم Death Race الذي تدور قصته حول سجن يضم أعتى أنواع المجرمين قرر السجّانون اقامة حلبة سباق للسيارات داخل السجن مسموح فيها باستخدام جميع انواع الحيل والأسلحة للفوز بالسباق، الهدف للسّجّانين الربح من النقل المرئي، والهدف للمساجين الخلاص من السجن فالاتفاق ينص على من يفوز بالسباق خمس مرات ينال حريته.


كذلك توحي لك طرقنا في رمضان بشيء مثل هذا، لو اتممت طريقك اسرع من غيرك فسوف تنال جرعتك مما تشتهي أبكر من اليوم السابق.

هناك النموذج النقيض لما سبق النموذج "المزبهل" الذي لا يدري ما يحدث من حوله و لا يريد أن يدري، فدماغه عبارة عن عضلة تنقصها الطاقة اللازمة للحركة، يتعامل مع الوجود على أنّه غير موجود، لا تؤثر فيه حرارة شمس أو زحام، وكأن جسده متخذ وضع حفظ الطاقة، الغريب ان هذه الحالة تبدأ معه من أول يوم رمضاني في أول دقيقة صيام.

من العادات المتأصلة في جبهات العمل هو التغير الملحوظ على الموظفين، فالذكور تبدأ عندهم مرحلة إعفاء اللحية واطلاق العنان لشعر الوجه حتى يجتاح ما يمكن تغيطيته في فترة شهر من الزمن، وتبدأ رائحة الابطين بالتصاعد فهناك من أقنعهم بأن مزيل العرق يبطل الصيام.

أما الفتيات فتختفي الملابس القديمة ذات الألوان المنوعة ويغلب الطابع القندهاري عليهن فالجلباب هو الزي القومي الرمضاني للعاملات، وتظهر الحقيقة ويُجْلَى ما كان خافيًا فقد انقطعت امدادات المكياج عن محاور وجه الفتاة ولولا البصمة لإثبات الحضور  لأتهمْنَ بإنتحال الشخصية لإرسالهن أخوتهن بدلًا عنهن.

أمّا خارج المؤسسات فتنتشر ظاهرة "المواطن الطابوري" عاشق الزحام، فاينما وَجَد طابور اصطف فيه، فتراه في الضرائب وهو لا يملك نشاط تجاري خاص، و في المخابز، وعلى شبابيك المصارف، حبًا في تجزية الوقت في الخصام واتهام الغير بالتقصير و اختلاق المشاكل.

بريشة الفنان محمد الزواوي

أما على الطرقات فتجد نموذج "المواطن الدهواري" الذي يمضي يومه في اعادة اكتشاف شوارع المدينة، فلا مُضيِّع للوقت ومهدئ للنفس كما اللف والدوران بالسيارة، حتى تقترب ساعة الصفر لحظة انطلاق الأذان فيبدأ مرحلة "سباق الشربة".




لندخل البيوت قليلا وسنلاحظ وجود النماذج التالية:

أهل الكهف:

الوسيلة واحدة وتعددت الأسباب، وسيلتهم لتمضية الصيام النوم، أمَّا الأسباب فاختلفت فهناك من يقول أن نوم الظالم عباده اعترافًا منه بأن "خلوقة في حكة" طول اليوم، و منهم من يدعي التعب الدائم وحالة الاقتراب من الموت.

سكان المطبخ:

وهن الفئة المطحونة المغلوبه على أمرها من النساء اللاتي يمضين يومهن في المطبخ لتلبية طلبات العائلة الجائعة دائما، لهن كل التحية.

بريشة الفنان محمد الزواوي


النقّاق:

وهم في الأغلب من صغار السن حديثي التجربة بالصوم الجائعين دائما، كثيري الحركة والسؤال.
هل أذن المغرب؟
(بعد ربع ساعة) هل أذن المغرب؟
(بعد قليل) اسمع صوت أذان من بعيد هل أذن؟
(على الفور) ضرب المدفع؟

الفطّار:

وهم فئة الأطفال التي لم يجب عليهم الصوم بعد، ولكن أختفت براءة الطفولة من قلوبهم وأدركوا معاناة غيرهم في ترك الطعام والشراب، فتبدأ معهم مرحلة التشفي في غيرهم واستعراض طريقة أكله للطعام بكل الطرق التي يمكن ان تغيظ بها أي انسان عاقل.


تتكرر كذلك في رمضان سلسلة الاسئلة والإجابات السمجة المملة:

- صايم العام هذا؟
- لا نخيط فيهم

- هل فلان صايم العام هذا؟ (فلان هذا قد جاوز الثلاثين عمرا)
- لا ما يجوزش عليه الصيام.

هذه بعض كليشيهات رمضان ولن اتكلم هنا عن التلفزيون والمسلسلات وبرامج "الإرعاب" الخفية، أكتفي بهذه القصة المصورة من أحمد خالد توفيق رمضان جانا، وتعليقا عن برامج الكاميرا الخفية لكم هاتين المقالتين لنفس الكاتب مقال شديد الهيافة ، رامز للأبد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بسم الله الرحمن الرحيم ( مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )